الشيخ الصدوق

المقدمة 143

الإعتقادات ( تحقيق مؤسسة الهادي ع )

ويحتمل أن يكون المولى لِما يلي الشيء مثل خلفه وقدّامه ، قال الشاعر : فغدت كلا الفرجين تحسب أنّه * مولى المخافة خلفها وأمامها ولم نجد أيضاً شيئاً من هذه الأوجه يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم عناه بقوله : « فمن كنت مولاه فعلي مولاه » ؛ لأنه لا يجوز أن يقول : من كنت ابن عمّه فعلي ابن عمّه ، لأن ذلك معروف معلوم ، وتكريره على المسلمين عبث بلا فائدة . وليس يجوز أن يعني به عاقبة أمرهم ، ولا خلف ولا قدّام ، لأنّه لا معنى له ولا فائدة . ووجدنا اللُّغة تُجيز أن يقول الرجل : « فلان مولاي » ؛ إذا كان مالك طاعته ، فكان هذا هو المعنى الذي عناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : « فمن كنت مولاه فعلي مولاه » ؛ لأن الأقسام التي تحتملها اللّغة لم يجز أن يعنيها بما بينّاه ، ولم يبق قسم غير هذا ، فوجب أن يكون هو الذي عناه بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « فمن كنت مولاه فعلي مولاه » . وممّا يُؤكّد ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم » ثمَّ قال : « فمن كنت مولاه فعلي مولاه » فدلّ ذلك على أنَّ معنى « مولاه » هو أنّه أولى بهم من أنفسهم ، لأنَّ المشهور في اللغة والعُرف أنَّ الرجل إذا قال لرجل : إنّك أوْلى بي من نفسي ، فقد جعله مُطاعاً آمراً عليه ، ولا يجوز أن يعصيه . وإنّا لو أخذنا بيعةً على رجلٍ وأقرَّ بأنّا أولى به من نفسه ، لم يكن له أن يُخالفنا في شيءٍ ممّا نأمره به ، لأنَّه إن خالفنا بطل معنى إقراره بأنّا أولى به من نفسه ، ولأنَّ العرب أيضاً إذا أمر منهم إنسان إنساناً بشيءٍ وأخذه بالعمل به وكان له أن يعصيه فعصاه قال له : يا هذا أنا أولى بنفسي منك ، إنّ لي أن أفعل بها ما أريد ، وليس ذلك لك منّي . فإذا كان قول الإنسان : « أنا أولى بنفسي منك » يُوجب له أن يفعل بنفسه ما يشاء إذا كان في الحقيقة أولى بنفسه من غيره ، وجب لمن هو أولى بنفسه منه أن